الخرطوم 24 | Khartuom 24
سرديات..
الزاكي عبد الحميد أحمد
(و) لا الحزن القديم إنت..!!
كثيرا ما يستوقفني حرف الواو، الذي استهل به شاعرُنا الكبير، هذه القصيدة الجميلة..
تعددت آراء أهل النحو، في معنى حرف الواو، واستقرت على أن لهذا الحرف، خمسة عشر معنى، لكل معنى، وظيفة يؤديها في سياق علم النحو..
غير أني ما وجدت بينها معنى، يمكن في سياقه، فهم حرف الواو، الذي بدأ به شاعرنا هذا النفي المغلظ..
التفسير الأقرب في ظني، أنه حرف عطف… بمعنى أن حالة الحزن القديم وحالة لون الفرح (اللتين تلبّستا الملهمة) معطوفتان على حالة سابقة لهما لم يذكرها الشاعر لفظا، بل تركها للغة الصمت، التي هي أبلغ من التعبير اللفظي، والتي عنها يجيء الحديث بشجونه، في سياق ما هو آت..
إن يكن صمتي رهيبا
إنّ في الصمت كلاما..
الشاعر الكبير الصاغ محمود ابو بكر، رحمه الله، هو من لفت نظري، في وقت مبكر، إلى حديث الصمت..
صاحب أيقونة الأناشيد الوطنية-صه يا كنار- قال إن للصمت كلاما، ولكنه ترك للقاريء، تأويل حديث الصمت، وفق قرائن الحال او الظروف غير اللفظية، التي تصاحب الكلام او الموقف وتدل على المراد…
وربما في هذا السياق يمكن فهم ما قاله نزار قباني:
فإذا وقفت أمام حسنك صامتاً
فالصمت في حرم الجمال جمال..
أما الصمت وقت الإساءة او الاستفزاز، فيكون رسالة ترفُّع واقتدار، ويعني أن الرد لا يستحق النزول لمستوى المسيء.. الشاهد على ذلك ما رسمه الطيب صالح، رحمه الله، بريشته في اللقاء العاصف، الذي مثُل فيه محمود ود أحمد أمام كتشنر في موسم الهجرة إلى الشمال..
اتوا به حاسر الرأس امام السردار كتشنر. كان طويل القامة، ذا سحنة غامقة يتراوح عمره من ٣٠ الى ٤٠ سنة. كان يلبس سروالا واسعا وجبة-لباس الدراويش الذي يحاكي قميص المهدي المرقع. كان وجهُه ضيقَ الخدين وناتيء الجبهة. وقف امام الجنرال كتشنر بثبات، لا يلتفت يمنة ولا يسرة. كان يقف مرفوع الرأس في كبرياء وشموخ…
وحين سأله كتشنر:
لماذا أتيت لتشن الحرب في هذا المكان؟
أجاب: اتيت إلى هنا لأني أُمرتُ أن آتي إلى هنا مثلما أتيت انت!
احيل هذا القائد الشاب بعد ذلك الى الحبس ولكنه ( نال حب كل فرد منا، لأنه كان ينظر الى قدره بأمانة وشرف وشجاعة).
هذا الصحافي البريطاني جورج وارينغتون استيفنز George Warrington Steevens الذي رافق حملة كتشنر على السودان كمراسل حرب، يصف “محمود ود أحمد” يوم مثُل امام الجنرال الغازي كتشنر..
اصدر هذا الصحافي كتابا بعنوان مع كتشنر إلى الخرطوم
With Kitchener to Khartoum..
ضمنه انطباعاته عن رحلته ومنها وصفه لمحمود ود احمد حين جيء به أسيراً بعد هزيمة قواته في موقعة عطبرة (النخيلة)….
وصف الطيب صالح رحمه الله، موقف محمود ود احمد حين جيء به، وهو يرسف في الأغلال، امام الجنرال كتشنر، قائد الجيش الغازي بعد ان هزمه في معركة عطبرة على النحو التالي:
– لماذا جئت إلى بلدي تخرب وتنهب؟
الدخيل كتشنر هو الذي يسأل ويقول ما يقول لصاحب الأرض..
صاحب الأرض طأطا رأسه ولم يقل شيئا!..
يقول بعض النقاد إن الطيب صالح جانب الصواب في وصفه لموقف “محمود ود احمد” أمام كتشنر…
ويرى هذا الفريق أن الطيب صالح جافى الحقيقة حين وصف “محمود ود احمد بأنه وقف امام كتشنر “صامتا، مطأطيء الرأس” في حين اوفى الصحافي البريطاني، القائد المهدوي، حقَّه، حين وصفه بالشجاع، الذي نال تقدير الحضور، لثباته مرفوع الرأس، وهو يتعامل مع كتشنر معاملة الند..
ولكن لنا أن نسأل:
هل يا ترى كان على الراحل المقيم الطيب صالح، ان يصفَ واقعةَ محمود ود احمد، كما اوردها المؤرخون، ام كان عليه ان يتعامل مع الموقف كعمل فني، المتخيل فيه ضروري، ليتركَ للمتلقي المجال، لكي يصل للنتيجة التي يشكلها العمل الروائي في ذهنه…؟؟
سؤال الدخيل لصاحب الأرض يؤسس لمفارقة قلبت منطق الأشياء رأسا على عقب، وأحالت المحتل الغازي، إلى مالك للارض وصاحب الأرض إلى دخيل وغازي..
أقول إن بعض النقاد، اعابوا على الطيب صالح، الصورة التي رسمها لمحمود ود احمد، حين لاذ بالصمت ولم يرد على الغازي بما يناسبه كقائد وصفته الوقائع التاريخية (جورج وارينغتون) أنه تعامل مع كتشنر معاملة الند وليس بالصورة التي رسمها الطيب صالح له.
غير ان الطيب حين قال إن محمود ود أحمد طأطا رأسه ولاذ ب(الصمت) فإنه لم يتعامل مع الموقف كمؤرخ، وإنما كفنان، تترك ريشته المجال للقاريء لكي يستنتج ما يمليه عليه عقله في مثل هذه المواقف..
هو زمن مقلوب المنطق ذلك الذي يجعل الغازي الدخيل صاحب الأرض ويحيل صاحب الارض إلى دخيل..
الطيب صالح رحمه الله رسم صورة محمود ود احمد بهذه الطريقة لا ذلاً ولا صغاراً وإنما مسايرة لهذا الموقف المقلوب الذي يضع الدخيل في مكان صاحب الارض وصاحب الأرض في مكان الغازي الدخيل..
صمت محمود ود أحمد كما صوره الطيب صالح أبلغ من الكلام.. إنه أشبه بموقفك أنت تجاه مَن يسألك سؤالا سخيفا او يبدي لك ملاحظة متعجرفة، فتكتفي أنت بالنظرة الهازئة او الصمت المتعالي، الذي يجعلك أحيانا تنظر إلى الأرض، بدلا من النظر إلى من يحادثك، وهو دونك في كل شيء!..
ثم كان صاحبنا الساخر..
زميلنا في الدراسة الجامعية محمد خوجلي، من أولاد شمبات، كان شابا ساخرا ولماحا..
دخل المحاضر مستر ويلش قاعة كلية الآداب الأشهر في ذلك الصباح الخريفي الجميل ..
نحن دفعة الآداب لعام ١٩٧١..
كنا نترقب بولَه محاضرتَنا الأولى في الأدب الانجليزي..
محمد خوجلي كان يجلس بجانبي..
وزع علينا مستر ويلش كتيبا، لا تتعدى صفحاتُه ستين صفحة من القطع الصغير..
استلم محمد نسختَه وسلمني نسختي، ثم قال بصوت مسموع:
-الخواجة دا قايلنا جايين من وين، يبدا لينا الأدب الانجليزي في الجامعة بالكتيتيب دا (يقصد الكتيب)؟ ..ما عارفنا نحنا نجضنا الانجليزي مع برنارد شو في
The Devil’s Desciple
وسي اس فورستر C.S.Forester في
The Gun..
ويقصد ان هاذين الكتابين (The Devil’s Desciple و The Gun) واللذين درسناهما ضمن مقرر الأدب الانجليزي في المرحلة الثانوية كانا أكبر حجما من الكتيب الذي وزعه علينا مستر ويلش في محاضرته الأولى…
ضحكنا من تعليق زميلنا محمد ويبدو أن مستر ويلش فهم سبب ضحكنا ..كأننا بلسان حاله قال (اضحكوا زي ما عايزين، وشوفوا الراجيكم بعدين -يقصد الامتحان)..
وقد صدق..
فالكتيب الذي استخففنا به، بسبب حجمه الصغير وعدد صفحاته، مقارنة مع الكتب التي درسناها في المرحلة الثانوية؛ كان من أصعب الكتب التي مرت علينا وكان كما قال عقبة كؤودا في الامتحان، جعلت الكثيرين منا، يسقطون الأدب الانجليزي من حساباتهم في سنوات التخصص اللاحقة..
الكتيب إلى جانب حجمه الصغير، كانت الجمل فيه قصيرة للغاية، واحيانا لم تكن مكتملة، إذ كان مؤلفه يكتفي بنقاط لتكملة الجملة، ليقوم المتلقي بفهم ما قاله المؤلف صمتا..نعم صمتا..!!
عنوان الكتيب كان:
في انتظار غودو لصمويل بيكيت
Waiting for Godot by Samuel Beckett..
الصمت في هذه المسرحية التي تأتي في سياق مسرح العبث ليس فراغاً، بل كان شخصية ثالثة في المسرحية إلى جانب الشخصيتين الأساسيتين في المسرحية وهما استراغون وفلاديمير..الشخصية الرئيسية الثالثة هي الصمت!
لحظات التردد pause (عندما تكون الشخصية تتردد قبل النطق بحثا عن كلمة مناسبة ثم تطول لحظات التردد هذه لتصبح صمتا silence)..
لحظات التردد والصمت الطويل كما يشير اليهما المؤلف كتابة (بدل الكلام) في المسرحية، كانت كثيرة..
أحصى النقاد عدد لحظات التردد pause والصمت الطويل silence، حين يعجز الكلام عن التعبير، فكانت النتيجة أكثر من 70 وقفة صمت في النص، وهي أكثر من عدد جمل الحوار في بعض الصفحات.
الشخصيتان الرئيسبتان فلاديمير واستراغون يتكلمان لكي لا يسمعا الصمت -الشخصية الثالثة التي تلازمهما ولكنها لا تقول شيئا، لأن اللغة عاجزة عن التعبير وهما في انتظار الذي لا يأتي: غودو..
فقط صمت وعدم حركة طوال مشاهد المسرحية.
والصمت وعدم الحركة يعنيان أن الكلام انتهى إلى لا شيء..اللغة عجزت..وهذا الأسلوب أطلق عليه النقاد البيكيتولوجي Beckettology نسبة لبيكيت؛
أي أسلوب صمويل في جعل الصمت أسلوبا للكلام حين يعجز الأخير عز التعبير..
ثم كان حمى الذهب…
حمى الذهب The Gold Rush فيلم من أشهر افلام شارلي شابلن..
بلغت حمى الذهب في ألاسكا أشدها في سنة 1898… آلاف الرجال يتركون بيوتهم ليبحثوا عن الذهب في الجليد.
شارلو المتشرد (شارلي) يأتي وحيداً، بقبعته الصغيرة وعصاه، يحلم أن يصبح غنياً مثلهم.
شارلي لا يتكلم..الصمت هو الذي يحكي نيابة عنه!
أشهر مشهد في الفيلم هو المشهد الذي يأكل فيه شارلي حذاءه..
من شدة الجوع، يسلق شارلو حذاءه الجلدي. يقطع النعل كأنه قطعة ستيك، يلف الخيوط كأنها سباغيتي، ويمص المسامير كأنها عظام دجاج، وكل ذلك وفق الآداب المرعية في الموائد الفاخرة للأثرياء..
ضحك الناس في السينما من المشهد ثم بكوا، حين اكتشفوا أن الصمت قال لهم ما لم تقله الكلمات:
المجاعة تفتك بالناس في أماكن عدة ولم تكن الاسكا حيث الذهب، مستناة…
التقى زعيم الهند العظيم الممثل البريطاني المشهور شارلي شابلن في لندن عام ١٩٣١..
الرجلان-كما نعرف- كان سلاحهما الصمت..لم يخف الزعيم الهندي اعجابه بشارلي شابلن إذ قال له:
ليس مبدعا يستحق التسمية، من عجز عن أن يقول بالصمت، كلاما لا يقال بالكلام أبدا..
He’s not worthy of being called a creator who can not say in silence what can never be said in speech…
وقد صدق…
تحياتي؛
-الزاكي عبد الحميد احمد-
