الخرطوم 24 | Khartuom 24
سرديات
الزاكي عبد الحميد أحمد
ادفنوا قلبي هناك! هناك..
في منعرج الركبة الجريحة.. ادفنوني مع الأموات الأحياء هناك.. ثم غطوا جسدي بالأكاذيب المخملية.
هكذا قالت مطربة الهنود الحمر، التي لاحقت الرئيس الأمريكي ليندون جونسون بأغانيها، حتى تنحّى..
ليندون جونسون، الرئيس الأمريكي الأسبق، حين تولى زمام الأمور في بلاده، بعد مقتل كينيدي، في مطلع الستينيات (١٩٦٣)، كان يريد أن يثبت لناخبيه، بأنه الرجل الذي هزم الشيوعيين في فيتنام.. لذلك رفع عدد أفراد قواته في أرض المعركة من بضعة آلاف فرد، إلى أكثر من ٥٠٠ ألف مقاتل.. فدخلت أمريكا بثقلها في معمعة هوشي منه، فكان التأمل في الخروج..
وعن ذلك قال: لو تركت فيتنام للشيوعيين لوصفوني بالجبن ولوصفوا بلادي بالدولة المهادنة.. وأنا لست بالرجل الذي يريد ذلك لبلاده..
كان يتباهى بأن النصر حليفه، وأنه الرجل الذي سيضع حدًا للتمدد الشيوعي في جنوب شرقي آسيا..
ولكنه ما كان يدري أن أغنيةً، تتشكّل بعيدًا عن مكتبه البيضاوي.. أغنية ستجبره على التنحي قبل أن يكمل فترته الرئاسية..
المشاهد التي أمام الطالبة الجامعية، كانت تتشكل أحرفًا في ذهنها؛ وقبل أن تكمل قهوتها كانت قد قررت أن تحيلَ هذه المشاهد، إلى أغنية تؤديها هي بنفسها.. فكان لها ما أرادت..
طالبة جامعية، هوايتُها الموسيقى والغناء، تجلس في مقهى للشباب، يطل على شارع رئيسي في مدينة تورنتو الكندية..
تشاهد من النافذة الزجاجية التي أمامها، أعدادًا من جرحى الجنود، العائدين من فيتنام، وخلفهم كانت تلك السيارات المعروفة بلونها الداكن لدى العامة، والذين كانوا يعرفون أيضًا ما بداخلها: توابيت قتلى الحرب.. التوابيت تنقل أولًا إلى مركز عسكري، قريب من مكان المقهى، حيث يقوم المشرفون عليه بتحديد هويات من بداخلها أولًا، ثم التأكد منها، قبل إبلاغ ذويهم بالخبر المفجع..
الطالبة الجامعية يهزها المشهد ويعيد شريط ذكرياتها، إلى ما سمعته من أهلها، عن أجدادها الذين سحقتهم الآلة العسكرية للجيش الأمريكي، قبل نحو سبعة عقود.. إنها مجزرة الركبة الجريحة في داكوتا حيث كان أهلها، السكان الأصليون، يقيمون بأمر الحكومة، التي طردتهم من أراضيهم، وأبادت أبطالهم وأبقارهم التي كانت مصدر رزقهم..
ظهرت الأغنية في بداية عهد جونسون المولع بالحرب؛ فتلقفها الشارع وأخذ يرددها الرجال والنساء والشباب من كل الأعمار..
أغنية Universal Soldier أي الجندي حيث كان ويكون، انتشرت في كل مكان بسرعة النار في الهشيم..
الأمهات كن الأكثر ترديدًا لها لا سيما الأبيات التي تقول:
He’s all of thirty-one
And he’s only seventeen
He’s been a soldier for a thousand years..
شاب ثلاثيني وآخر في السابعة عشرة.. إنه الجندي الآن وقبل ألف عام كانه..
أواه لقلب يحترق على هذا الذي لا يعرف أنه وقود الحرب وأداتها..
He’s the one who gives his body as a weapon of war
And without him all
This killing can’t go on..
ليته يعرف أنه أداة الحرب.. ليته يعرف أن الحرب بدونه لا تكون..
ثم تمضي الشابة في وصف ما رأت شعرًا وهو أكثر بيت رددته الأمهات:
He’s five feet-two
And he’s six feet-four
He fights with missiles
And with spears..
طوله خمسة أقدام وبوصتان
وآخر طوله ستة أقدام وأربع بوصات..
منهم من على كتفه مقذوف
ومنهم من في يده رمح..
إنهم وقود الحرب لكنهم لا يدرون!
هذا الوصف الدقيق للجنود جعل الأمهات أكثر فئات المجتمع مناهضة للحرب..
الأغنية تنتشر أكثر..
شعبية جونسون تتهاوى فيأمر المحطات الإذاعية في أمريكا بعدم بث الأغنية… الإذاعات توقف البث ولكن الشارع ما زال يرددها..
جونسون يأمر بحظر حركة المطربة وتقييد نشاطها الفني..
الجهات الأمنية، بأمر من جونسون، تضع اسم المطربة الشابة في القائمة السوداء..
الشارع يطالب بوقف الحرب، ويواصل في ترديد الأغنية المحظورة، في تحدٍ بائن للسلطات..
شعبية جونسون تتهاوى من ٧٠ في المئة عند بداية حكمه، إلى ما دون ٣٠ في المئة..
هدير الشارع يعلو ويعلو.. جونسون يطل على الشعب من على شاشة التلفزيون ويخاطبهم:
I shall not seek and will not accept the nomination of my party for another term as your president..
أي:
لن أسعى ولن أقبل قيام حزبي بترشيحي لفترة رئاسية ثانية.
(جونسون في ولايته الأولى لم يأتِ بالانتخاب بل تولى الرئاسة تلقائيًا حسب نص الدستور بعد مقتل كينيدي)
جونسون يتنحى ويفسح المجال لنيكسون..
نيكسون يواصل التشديد على المطربة الطالبة الجامعية؛ طالما كان هدير الشارع، المطالب بوقف الحرب، كما الرعد، داويًا…
الإذاعات المحلية توقف بث أغنيات المطربة الشابة لأكثر من عشر سنوات..
لكن الشارع لم يتوقف عن ترديدها مطالبًا بوقف الحرب وعودة الجنود لديارهم..
نيكسون تطارده لعنة ووترغيت.. يتنحى هو الآخر..
القيود المفروضة على المطربة تخف وطأتها مع زوال حكم نيكسون..
المطربة بافي سانت ماري
Buffy Sainte-Marie
تطل على جمهورها من جديد وتحكي لهم عن الأغنية التي ألهبت الشارع:
مشهد التوابيت والجنود الجرحى كان مؤلمًا.. لسبب ما، أعاد لي شريط ذكريات لطالما سمعتها من أجدادي (الهنود الحمر) كيف أُبيدوا، وكيف تُركت جثثهم في الجليد للحيوانات تنهشها..
الحرب هي الحرب.. إن كانت ضد شعبك فهي حرب وإن كانت خارج حدود بلدك فهي لا تزال حربًا.. الموت واحد.. في بلدك تقتل بني شعبك.. وفي الخارج أبناء شعبك (جنودك) هم وقودها..
ثم كانت أغنيتها الثانية التي كتبتها عن أهلها الذين قتلهم الجيش في منعرج الركبة الجريحة..
ظهرت الأغنية باسم:
منعرج الركبة الجريحة أو مذبحة الركبة الجريحة وفيها تقول:
Bury my heart at Wounded Knee..
And cover my body with pretty lies
ادفنوا قلبي في منعرج الركبة الجريحة..
وغَطوا جسدي بالأكاذيب المخملية..
والركبة الجريحة وادٍ في داكوتا هُجِّر إليه الهنود الحمر قسرًا، لأن أراضيهم، التي لم يعرفوا غيرها، تحتها أنهر نفطية تجري؛ فيسيل لها لعاب الرجل الأبيض.. (وسميت بالركبة الجريحة بعد أن أصيب زعيمهم الروحي في ركبته، وهو ينادي بالسلام؛ قبل وقوع المجزرة؛ فأطلق عليه الجيش نيرانه؛ فأصيب الرجل في ركبته، والتي بُترت لاحقًا بالطرق التقليدية)!
وعنها قالت إن حزني لم يولد مع الحرب على فيتنام وإنما يعود إلى ما قبل عشرات السنين (المجزرة وقعت عام ١٨٩٠).. هناك قُتل أهلي الطيبون لا لذنب ارتكبوه سوى أنهم نادوا بالسلام لهم ولغيرهم..
عبارة ادفنوا قلبي هناك تشير إلى أن الحزن منبعه هناك.. الحكومة قالت إنها دافعت عن نفسها فحدثت المجزرة.. لكن يفضح كذبتَهم السؤال: كيف يستقيم عقلاً أن يشن أهلي برماحهم، حربًا على جيش مدجج بأحدث الأسلحة.. أهلي قُتلوا لأن أرضهم في أحشائها نفط ومعادن، وهما في قاموس الحكومة أثمن من أرواح أناس (متخلفين)..
وكانت الشاعرة تشير بعبارة الأكاذيب المخملية، إلى أن القوات التي قتلت أهلها في منعرج الركبة الجريحة، قالت كذبًا، إن أهلَها (الهنود الحمر) هم مَن بدأوا الهجوم.. أيدت الحكومة هذا التقرير وقالت قواتها قامت بواجبها دفاعًا عن النفس ومنعًا للفوضى، وقامت بتوزيع أوسمة على أفراد القوة التي ارتكبت المجزرة!..
ثم كانت كذبة خليج تونكين في فيتنام، حين أرسلت المدمرة الأمريكية الموجودة في الخليج، تقريرًا لجونسون، مفاده أن رادارات المدمرة، التقطت ما يؤكد أن المدمرة، تعرضت لأربع هجمات خلال الليل..
تقرير المدمرة بنى عليه جونسون خطته لدخول أمريكا في الحرب بثقلها..
أكدت الصحافة الأمريكية لاحقًا أن تقرير المدمرة القائل بتعرضها لهجمات خلال الليل كان وهمًا.. شهدت تلك الليلة عواصف رعدية وأمطارًا غزيرة أحدثت تشويشًا في الرادار فكان التقرير الكذوب وهو ما وصفته المطربة بالأكاذيب المخملية أي أكاذيب صادرة من أناس منعمين، يحتسون ما طاب من الأنخاب، ثم يقررون مصائر الناس، حسب ما تصوره لهم أوهامهم في لياليهم المخملية..
تحياتي؛
-الزاكي عبد الحميد أحمد-
