سرديات.. الدرويش – صحيفة التغيير السودانية , اخبار السودان

الهلال السوداني يخسر بهدف أمام الأهلي المصري وتأجيل الحسم إلى الإياب

الخرطوم 24 | Khartuom 24

 

سرديات.. الدرويش
الزاكي عبد الحميد أحمد

منفوش الشعر؛
عليه جلبابٌ أخضر واسع الأكمام، زينت أطرافُها بشريط أحمر؛
ومن عنقه تتدلى سبحة طويلة؛
قدماه تنتعلان الأرض؛
وفي يده يحمل ابريقاً من التوتياء (وهي الزنك)..وحوله هالة من النقاء الفطري الزاهد عن ملذات الدنيا..

هذا أحد الذين نطلق عليهم لقب الدراويش!

مشهد الدرويش، الذي يجوب الطرقات، مألوف، لا سيما في يوم الجمعة، في مقابر حمد النيل؛ جنوبي أم درمان القديمة..

فنان الريغي Raggae الأمريكي المعروف جيمي كليف سحره هذا المشهد، يوم زار مقابر حمد النيل، ضمن برنامج زيارته للسودان، في سبعينيات القرن الماضي، بدعوة من مطرب الجاز المعروف، ويليام أندريه..قرع الطبول نال هوى في نفس فنان الريغي، فدوْزَن إحدى أشهر أغنياته-وهي
Many Rivers To Cross
على إيقاع الطبول..

كتابان، لولا مقدمتاهما، لما أثارا اهتمامي بالقدر الذي أثاراه حتى عكفت على قراءتهما بتركيز من الغلاف للغلاف..

رجلان، أحتفي بكتاباتهما إلى حد بعيد: الدكتور منصور خالد؛ رحمه الله، والأستاذ الشاعر الكبير كمال الجزولي..ولعي بكتابات الدكتور منصور خالد، بدأ في منتصف سبعينيات القرن الماضي، حين بدأ الرجل يكتب مقالات، في حلقات، في صحيفة الأيام، تحت عنوان، “لا خير فينا إن لم نقلها”..في وكالة السودان للأنباء؛ وتحديدا في قسم الملحق الأسبوعي الذي كانت سونا تصدره بالانجليزية؛ طُلِب منا؛ (صديقي الأثير السفير نجيب الخير، رحمه الله، وشخصي)؛ ترجمة هذه المقالات، تحت اشراف مترجم، ذي قدارة فائقة، في فن الترجمة؛ اسمه محمد علي محمد سعيد، من أهالي المسعودية..

منذ ذلك الحين بدأت أتابع بشغف، كتابات الدكتور منصور خالد ..ما يلفت القاريء في اسلوب الدكتور منصور، ثراؤه بالاستشهاد من مأثور القول، من الأدب والفلسفة وامور الدين، الذي يجده القاريء في متن ما يكتب وينميه لتوسعة مداركه.. تقرأ للدكتور منصور مقالا، فتجد نفسك، في تطواف ملهِم في مجالات عدة..

أما الشاعر الكبير الأستاذ كمال الجزولي فلغته الشاعرية الماتعة، واحترامه للكتابة بضوابطها المرعية، وانتقاؤه للمفردة الموحية، تنتزع ولع القاريء، بما يكتب، انتزاعا..

الرجلان، كان لهما حضورٌ مؤتلقٌ في مجموعة كتب، اهدانيها أخي العزيز الدكتور كمال عبد الكريم ميرغني..

الكيفية التي كانت تدار بها وزارة الخارجية في عهد الانقاذ، في تسعينيات القرن الماضي، وصفها، بأجمل ما يكون الوصف الدقيق، سفير مخضرم، أهداني كتابه، مع مجموعة من الاصدرات الجديدة، اخي العزيز الدكتور كمال عبد الكريم ميرغني، يوم زرت مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، لاول مرة، بعد عودتي من الاغتراب..كتاب السيد السفير قدمه للقراء الدكتور منصور خالد..

المجموعة التي اهداها لي أخي الدكتور كمال، ضمت الى جانب كتاب السفير، كراسة هليلسون؛ وهو كتاب عن الامثال الشعبية ومواد تراثية أخرى، كلها مترجمة الى الانجليزية، الى جنب النصوص العربية، وكذلك ضمت المجموعة كتاب خليل فرح، بتقديم رائع من الاستاذ كمال الجزولي، رحمه الله..

صحيفة الخرطوم أيام صدورها من القاهرة في تسعينيات القرن الماضي، كانت متنفسا لسوادنيي الشتات..كانت الصحيفة تستكتب رموزا من اهل الفكر من السودانيين، منهم البروفيسور ابراهيم القرشي؛ الذي كان يثري الصحيفة من وقت لآخر، بلطائف القول ومستظرفه من الموروث الشعبي..

كتب بروف ابراهيم ذات مرة، مقالا شائقا عن الدراويش؛ تحدث فيه عنهم حديث العارف، ولم يكن حديثُه يخلو من دعابات، ابطالُها دراويش..

قال شوهد- ذات مرة- درويش في محطة الحافلات ساعة الذروة، فكلما جاءت حافلة تلقاها الناس ركضاً وحجزوا مقاعدها “فتشحن” وتنطلق والدرويش واقف يحمل سوطه وابريقه وسبحته وعليه جبته الخضراء المرقعة..فرآه أحد الواقفين ورأى الركاب يحجزون المقاعد بكتاب أو جريدة أو حقيبة أو كيس خضار وغيره، فقال هذا المحسن المشفق للدرويش: يا ود الشيخ بالصورة دي لي بكرة ما بتلقى ليك مقعد، فإذا جات الحافلة احجز ليك مقعد بي ابريقك او سوطك أو سبحتك، فوجد الدرويش كلام الرجل معقولا، فما أن لاحت الحافلة حتى ركض نحوها ولم يجد أسهل من الإبريق، فاتجه نحو إحدى النوافذ، وأدخل الابريق ليضعه على المقعد، وكان بالحافلة مسطول-أكرمكم الله-راسو معمّر وعيونو حُمُر ورايحات، وهو دايخ مدنقر..فلما أحس بالحركة رفع رأسه، فرأى الإبريق متجها نحوه، فما كان منه إلا أن تنحنح بأعلى صوته. ظن الغبيان نفسَه في بيت الأدب، ولما رأى الإبريق، ظنه شخصا يقتحم عليه المكان؛ فكان ما كان!

الدرويش هو الفقير الزاهد ولعلها فارسية الأصل..وهي لقب ديني، ثم توسع الناس فيه، فأصبح يطلق على كل من يظهر مسكنة أو قلة عناية بمظهره، أو صاحب الأفكار المشوشة غير المرتبة، المتقلب الأطوار، الكثير الحركة..

جاء في كتاب السفير د. عطا الله حمد بشير (ذكريات وتجارب ديبلوماسية) أن التوتر في العلاقات بين السودان، في عهد الإنقاذ، والمملكة العربية السعودية، بلغ أشدَّه، بعد الغزو العراقي للكويت، ووقوف السودان مع الطرف المعتدي، ثم استضافة السودان لأسامة بن لادن طوال الفترة الممتدة من ١٩٩٠ وحتى ١٩٩٦..

قال المؤلف إن المملكة شهدت عام ١٩٩٥ حوادث انفجارات، نفذتها الجماعات الاسلامية المتطرفة، في كل من الرياض وجدة، فقامت السلطات السعودية، عقب هذه الانفجارات، باعتقال ١١٢ مواطناً سودانياً من مختلف الفئات العمرية ومختلف مجالات العمل، في مدن سعودية عدة، وفي ليلة واحدة، بتهمة انتمائهم للجبهة الاسلامية القومية في السودان، وتورطهم في جمع أموال في السعودية لصالح الجبهة في السودان..

يقول السفير السوداني في الرياض عصرئذ، في كتابه، إن القيادة السودانية تفاجأت بهذا الحدث، وتفاعلت بارسال عدة رسائل خطية مع عدد من الوزراء، بمن فيهم وزير الدولة للخارجية د. مصطفى عثمان اسماعيل، على مدى عام كامل، متوسلة وملتمسة العفو عنهم، إلا أن السعودية لم تستجب لأي توسل او التماس، بل ورفضت حتى السماح لأسر وأطفال المعتقلين للعودة إلى السودان، الأمر الذي أجبر السفارة، كما يقول السفير، على تحمل رعاية هذه الأسر إلى أن تم إطلاق سراح المعتقلين بعد حوالي العامين وإبعادهم إلى السودان..

ثم حدث ما لا يمكن تصوره مهما اتسع الخيال..

يقول السفير: وصلت في تلك الفترة مراكب شراعية (سمبك) إلى سواحل مدينة جدة، عشية يوم عرفة ذاك العام -١٩٩٥، بعد التاريخ المحدد لدخول الحجاج للسعودية بأسبوع..كان على متن هذه السفن خمسون رجلاً، يرتدون ملابس خضراء، وتتدلى من أعناقهم سِبَح، وفي أيديهم أباريق وطبول معلقة على أكتافهم ولا شيء غيرها..
لا جوازات سفر..
لا أوراق ثبوتية..
لا مال ولا قوت حتى ليوم واحد..
ولا ملابس..
فوجيء خفر السواحل السعودي بمركبة القراصنة ترسو في عمق الساحل، وتقفز منها مجموعة بشرية ترتدي ازياء خضراء اللون وهي تهلل وتدق الطبول..

تخوف خفر السواحل من أن يكون في الأمر غزوٌ عسكريٌّ او عملية ارهابية تستهدف تخريب الحج..بسرعة استدعى الخفر قوات الطواريء السعودية التي استنفرت قوة كبيرة وحاصرت شواطيء جدة، وأطلقت بوارج بحرية صغيرة مدججة بقوات الطواريء الخاصة التي طوقت المركب..
حين رأت مجموعة الخضر ما يحيق بهم من خطر، قفز أفرادها في البحر واحدا تلو الآخر..

انتشلت قوات الطواريء، المجموعة فرداً فرداً وجمعتهم في فرقاطة حربية ونقلتهم إلى بر رصيف ميناء جدة..ويصف السفير ذلك بقوله: كان يوماً عصيباً وحادثاً رهيباً أربك الأمن السعودي عشية يوم عرفة وهو يوم ذروة الاستنفار الأمني في السعودية لتأمين سلامة الحجاج..

ثم كانت المفاجأة:
اتضح لاحقاً أن أحد شيوخ الطرق الصوفية في أحد أقاليم السودان، قد خدع نحو خمسين من حوارييه السذج، بأنه رجل صالح ومن أولياء الله الصالحين وأن الله قد اصطفاه في الرؤيا، وأبلغه بأن كراماتِه ستفتح الأبواب لخمسين من حوارييه، للسفر وأداء فريضة الحج ذاك العام مجاناً..وعليه اختار الشيخ خمسين من الزاهدين والدراويش من أتباعه، وأرسلهم إلى سواكن دون أية وثائق ثبوتية او جوازات سفر ودون أن يخضعوا لإجراءات الحج المعروفة!..ومن سواكن بتدبير من أحد أنصار الشيخ المتصوف ووكيله، عبروا البحر خُلسة على متن مركبة خشبية قديمة تابعة لأحد القراصنة..وعلى مشارف الساحل السعودي قفزوا في البحر مهللين ومكبرين شاكرين شيخهم الذي حقق لهم أحلامهم بالوصول إلى الأراضي المقدسة..

وبعد أن حاصرتهم قوات الطواريء بفرقاطاتها المدججة، أمرتهم بالصعود إلى ظهر الفرقاطة الحربية، توطئة لاعادتهم إلى السودان..

ولكن بلغ أمر الحادث ومستجداته للأمير نايف وزير الداخلية، فأعلن أن هناك وصية من الملك عبد العزيز، بعدم حرمان أو تعطيل أي حاج من أداء الحج مهما كانت الأسباب..وقال الأمير إنه، مهتدياً بهذه الوصية، قد أمر بالسماح للدراويش السودانيين بدخول السعودية بل وتحمل المملكة لكل نفقات حجهم..ويقول السفير السوداني *د. عطا الله حمد بشير* في السعودية في كتابه الذي صدر بعنوان: *ذكريات وتجارب ديبلوماسية،* إن أولئك الدراويش، تم بالفعل تزويدُهم بأرقام ووثائق ثبوتية جماعية خاصة، وتم ترحيلهم جماعياً إلى عرفة للحاق بيوم عرفة، وإكمال شعائر الحج في الضيافة الملكية ثم أعيدوا بعد ذلك إلى السودان..

لا غرو إذن إن إزداد إيمان وتعلق الحجاج الخضر الخمسين بشيخهم، فما انفكوا يعددون مآثر شيخهم وصدق كراماته دون أن يذكروا شيئاً عن ما عاملتهم به السعودية من حسن وفادة!

من كان الأجدر يا ترى بالشكر :*الشيخ أم السلطات السعودية*؟ سؤال!

عموماً كان ذلك في زمن كان فيه *المقدم يونس،* يلعلع بترهات طالت الأسرة الحاكمة في المملكة ..فتأمل!

ويتناول كتاب السيد السفير كذلك، الكثير من الأسرار التي كانت تعرقل عمل الديبلوماسية، ولم تر النور حينئذ..

كراسة هليلسون (لا سيما الأمثال الشعبية التي ترجمت للانجليزية) وكتاب خليل فرح (لا سيما الشوارد من أشعاره) سوف استعرضهما في مقبل الأيام، إن مد الله في الأعمار..

تحياتي..
-الزاكي عبد الحميد أحمد-

شارك هذه المقالة