الخرطوم: نجلاء عباس
إجراءات اقتصادية عديدة حاولت ان تتخذها الحكومات المتعاقبة منذ ثورة ١٩ ديسمبر المجيدة وما قبلها من انهيار مريع جعل الشارع العام يخرج ضد حكومة الانقاذ وينادي بالتغيير طلبا لاحداث تحسين اقتصادي وانتعاش البلاد ولكن الحكومة الاقتصادية بعد الثورة لم تكن تضع خطة اصلاحية واضحة واضاعت الكثير من الفرص والمنح والدعم المالي الذي وجدته من دول الخارج والمؤسسات الدولية مما جعل خبراء الاقتصاد يجمعون على اهمية وضع مشاريع منتجة وفق خطط مدروسة تسند البلاد كما اجمعوا على ان الفترة الماضية وحتى اليوم يمر الاقتصاد بحالة تخبط في القرارات تحتاج الى مراجعة وإعادة صياغة.
زاد الطين بلة
عقب ثورة ديسمبر المجيدة تلقت الحكومة دعما خارجيا لتحسين جودة حياة مواطنيها فوزعته على فئات من مواطنيها تحت عنوان برنامج “ثمرات”.
وبدأ بعضهم يحصل على عدة دولارات شهريا من هذه البرنامج الذي توقف في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر. وتفيد إحصاءات البنك المركزي بأن الاقتصاد السوداني حقق في النصف الأول من 2021 تقدما كبيرا وانخفاضا في العجز بالميزان التجاري فيما توقع المراقبين أن تتراجع تلك المؤشرات . ويوضح العميد الاسبق لكلية التجارة جامعة النيلين بروف كمال احمد يوسف (للإنتباهة ) ان السودان قبل ثورة ديسمبر كانت علاقاته سيئة مع غالبية دول العالم وبالاخص الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك مع كل المنظمات الدولية فاتجه نحو ايران والامارات وقطر احيانا ثم وثق علاقاته مع المعسكر المضاد للولايات المتحدة الأمريكية وهي الصين واستطاع استخراج البترول وعاش المواطن حياة كريمة بالرغم من ارهاق الحروب ولكن لم يوظف هذا الدخل الكبير في انشاء مشروعات استراتيجية بالإضافة الى الفساد المالي الذي استشرى وانكشف ذلك بعد اتفاقية نيفاشا والتي ذهب معها عائد البترول وظهرت علامات الازمة الاقتصادية والتي كانت سببا مهما في ثورة ديسمبر. وبعد الثورة اتيحت فرصة جيدة للحكومة الانتقالية لتعالج اخطاء الانقاذ من خلال خلق علاقات خارجية متوازنة مبنية على الاعراف والمواثيق الدولية وجاءت الدعومات الخارجية بمليارات الدولارات ولكن لعدم وجود برنامج اقتصادي اسعافي وضاع اغلب الوقت في التشفي لم نجد خططا اقتصادية والذي (زاد الطين بلة ) رفع الدعم عن المحروقات والدقيق دون وجود بدائل لمعالجة آثاره الكارثية فساءت الحالة الاقتصادية والاجتماعية للمواطن ومع اختلاف مكونات ثورة ديسمبر تأزم الوضع الاقتصادي اكثر والآن لاتوجد حكومة لها برامج اقتصادي واضح نعيش فوضى اقتصادية. ولا نعرف الى اين المصب ولم نصل بعد الى آخر النفق.
خروج الاستثمار
والعديد من المشاريع الاستثمارية الاجنبية التي تم توقيعها قبل الثورة ولكنها توقفت نسبة لعدم استقرار حكومي لتعاود نشاطها وتفتح ابوابها بعد ثورة 19 ديسمبر وقال مراقبون اقتصاديون ان استثمارات تقدر بأكثر 35 مليار دولار في مجالات الزراعة والصناعات المتكاملة وغيرها. الا ان البلاد خسرت كل ذلك عقب الانقلاب العسكري كما ان واشنطن جمدت برنامجا يتيح للسودان 700 مليون دولار، وكذلك توقف برنامج لتخفيف ديون السودان الخارجية التي بلغت 59 مليار دولار قبل ثورة 19 ديسمبر المجيدة . كما أوقفت مؤسسات تمويل دولية خططها لدعم الاقتصاد السوداني ومنها البنك الدولي، مما ادى الى تراجع كبير في الاستثمارات الأجنبية.
أزمات اقتصادية
تفاقمت الأزمة الاقتصادية في البلاد قبل ثورة ديسمبر المجيدة بشكل مريع حيث قفز معدل التضخم إلى أكثر من 200% والبطالة إلى نحو 66% والديون الخارجية إلى 64 مليار دولار، بحسب تقارير مستقلة. وسجلت قيمة العملة المحلية تناقصا مستمرا وسط أزمات خانقة في السلع الأساسية كالخبز والوقود وغاز الطبخ. ولكن بعد الثورة كشفت تقارير صادرة من الجهاز المركزي للاحصاء عن تراجع كبير وانخفاض متتالي لمعدل التضخم و يوضح الخبير الاقتصادي هيثم فتحي إلى أن التراجع في معدل التضخم، يعني انخفاضا في أسعار السلع الاستهلاكية، وعند القول بأن التضخم السنوي انخفض، فهذا يعني أن أسعار السلع انخفضت خلال شهر ما في العام الحالي مقارنة بمثيله من العام الماضي، أما في حالة القول بأن معدل التضخم الشهري انخفض، فهذا يعني انخفاض أسعار السلع في شهر ما في العام الحالي مقارنة بالشهر السابق له من ذات العام. وأبان في حديثه لـ(الخرطوم24) أن معدلات التضخم المستهدفة تحددها كل دولة وفقاً لأهداف السياسة النقدية بها، فيظل تراجع معدلات التضخم أمرا مقبولاً، طالما لم يتجاوز النسبة التي تستهدفها الدولة، وفي حالة الابتعاد عن المستهدف فهذا أمر سلبي ومؤشر للركود، وأوضح أن كلمة التضخم في الأساس تشير إلى كم التغير الذي يحدث في أسعار السلع الاستهلاكية سواء بالزيادة أو التراجع، وتابع يظل تراجع الأسعار والذي ينتج عنه انخفاض في معدلات التضخم أمراً مقبولاً حتى إذا وصلت هذه المعدلات الى معدلات سالبة، بما انها في إطار النِسب التي تستهدفها الدولة .
إصلاحات قاسية
ويقول المحلل الاقتصادي د. الفاتح عثمان (للإنتباهة ) ان قبل ثورة ديسمبر كان الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 117 مليار دولار وتدنى الى حوالي 17 مليار دولار وبالتالي نظريا انهار الاقتصاد السوداني في عهد الثورة لكن الاقتصاد السوداني في اخريات عهد الانقاذ كان يعاني بشدة من العجز عن توفير الاموال لمقابلة دعم السلع مثل الوقود والقمح والغاز والكهرباء وهو ما تسبب في ندرة هذه السلع في ظل الطلب الكبير وغير المحدود على تلك السلع المدعومة في السودان والدول المجاورة وهو ما ادى لشح تلك السلع وبما ان كل ذلك تزامن مع ازمة كبيرة في السيولة النقدية فقد تسبب ذلك في انهيار نظام الإنقاذ الذي تعرض لضغوط عنيفة من الدول الغربية عجلت بسقوطه .
واضاف ان الوضع الاقتصادي الحالي مع انه تدهور بشدة في الناتج المحلي الإجمالي الى سدس ما كان عليه الحال قبل الثورة الا ان مجموعة الاصلاحات الاقتصادية القاسية التي تم تنفيذها مثل الغاء الدعم السلعي وتوحيد سعر الصرف للجنيه السوداني وسحب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب والاتفاق مع الدول الدائنة على شطب 40٪ ديون السودان الخارجية وجدولة الباقي يعتبر إنجازا كبيرا جدا لانه يضع الاساس لاقتصاد سليم يستطيع التعامل بحرية مع المؤسسات المالية الدولية وهو ما من شأنه ان يفتح الباب واسعا امام السودان لبناء اقتصاد قوي ومندمج في الاقتصاد العالمي.
لكن ذلك كله لا يعفي حكومات ما بعد البشير من التسبب في الغلاء المعيشي للمواطنين والركود الاقتصادي الكبير وانهيار سعر الصرف للجنيه السوداني والتضخم الذي كاد يبلغ حد الجموح عندما بلغ 365,% مقارنة بتضخم في حدود 50٪ في نهاية عهد الانقاذ .
تفادي الانهيار
ادى التدهور الاقتصادي في البلاد ما قبل ثورة ١٩ ديسمبر المجيد الى تذبذب مريع في العملة الوطنية التي اصبحت ضعيفة القيمة امام العملات الاجنية مما ادى الى ضروىة ايجاد حلول اصلاحية وفي خطوة تستهدف توحيد سعر السعر أعلن بنك السودان المركزي في فبراير 2021 عن توحيد سعر صرف الجنيه السوداني أمام الدولار في السوقين الرسمي والموازي. وقال بيان سابق لبنك السودان المركزي إن «القرار يهدف إلى توحيد واستقرار سعر الصرف، وتحويل الموارد من السوق الموازي إلى السوق الرسمي بجانب استقطاب تحويلات السودانيين العاملين بالخارج عبر القنوات الرسمية واستقطاب تدفقات الاستثمار الأجنبي». وأضاف البيان أنّ «القرار سيساهم في تطبيع العلاقات مع مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية والدول الصديقة بما يضمن استقطاب تدفقات المنح والقروض من هذه الجهات وتحفيز المنتجين والمصدرين والقطاع الخاص بإعطائهم سعر الصرف المجزي». وأكّد على أن توحيد سعر الصرف سيعمل على الحدّ من تهريب السلع والعملات وسدّ الثغرات لمنع استفادة المضاربين من وجود فجوة ما بين السعر الرسمي والسعر في السوق الموازي والمساعدة في العمل على إعفاء ديون السودان الخارجية بالاستفادة من مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون. وقتها كان للقرار، الذي تجاوبت معه المصارف السودانية، واتحاد المصارف السوداني، آثاره الإيجابية وأصبح هنالك اتجاه لبيع العملات من قبل المواطنين للبنوك التجارية بفعل توحيد سعر الصرف وساعدت تلك السياسة في بناء احتياطات من العملات الحرة في البلاد، برغم آثارها التضخمية.
ولكن عندما عاد الانفلات مرة أخرى في سعر صرف الدولار في السوق الموازي في عام 2022، عاد بنك السودان المركزي ووزارة المالية ولجنة الطوارئ الاقتصادية مرة أخرى إلى العمل على توحيد سعر الصرف. وفي مارس 2022 أعلن بنك السُّودان المركزي، عن توحيد سعر صرف الجنيه السوداني، لتقوم المصارف وشركات الصرافة بتحديد وإعلان أسعار بيع وشراء العملات الحرة دون تدخُّل من البنك المركزي في عملية تحديد الأسعار.
إصلاحات وإخفاقات
وشهد قطاع النفط والطاقة الكثير من المتغيرات التي اعتبرتها الحكومة اصلاحات يراها المواطن اخفاقات ليقول الوزير الاسبق لطاقة والنفط المهندس عادل ابراهيم (للإنتباهة) ان قطاع الكهرباء لم تحدث به تغيرات كبير من ناحيه التوليد والنقل ولا اضافات توسعة او تمديد والوضع كما هو لافتا الى بعض التحسينات في قطاع التوزيع و اضافة محولات في بعض المناطق بغرض فك الخناقات بجانب انشاء محطات تحويلية بكل من الدروشاب وسوبا وقال غير ذلك لا شيء يذكر واضاف ان المشاكل التي تواجهه الصيانة وانعدام الاسبيرات لا تزال قائمة فهي مشاكل مربوطة بالبلد وانهيار ايراداته واشار الى ان البارجة التركية مازالت ببورتسودان .
وقال عادل ان الاستهلاك زاد بعد ١٩ ديسمبر لدخول الكهرباء في عدد من المناطق واضاف لكن بشكل عام التوليد الحراري والمائي لم يحدث به تغير سواء كان قبل الثورة او بعدها
كما اشار الوزير الاسبق عادل الى الاجراءات الاقتصادية التي اجرتها وزارة المالية في الاول من يناير العام الحالي وقرار رفع الدعم كليا عن الكهرباء وتضاعفت التعرفة مما ادت الى معاناة المواطنين بعد ان كانت حكومة الانقاذ تدعم الكهرباء بنسبة ٩٠% وهذه تعد من اكبر الاخطاء واشار الى موافقة صندوق النقد بهذه الاجراءات لكن بطريقة تدريجية تصاحبها اصلاحات اقتصادية ومشاربع تدعم الاسر الفقيرة كما تتزامن مع تحسين الهيكل الراتبي لمختلف قطاعات الدولة
ومن جانب آخر تناول المهندس عادل الفرق بين وضع الوقود قبل وبعد الثورة وقال ان حكومة الانقاذ كانت تدعم الوقود بنسبة كبيرة لذا نجد الكل يجمع على ان في فترة حكومة الانقاذ كان الوقود ارخص ولكن نسوا الصفوف والشح والازمات التي كان يعاني منها المواطن اما ما بعد الثورة فنلاحظ الوفرة وانعدام الصفوف برغم من تطبيق السعر العالمي واشار الى ان السودان يبيع الوقود باكثر من السعر العالمي لما يضيفه من جبايات وسعر تكلفة الترحيل والتكرير حتى للمنتج المحلي.
وقال ان وزارة المالية اصدرت قرارا بايداع الايرادات في خزينة الدولة وان تكون هي المتصرف في كل مايخص وزارة الطاقة والتعدين وقال قبل هذا القرار لم تدرس المالية ما تقوم به الطاقة التي كانت تدفع المصاريف بالانابة عن المالية لقوات حماية البترول وتأمين خطوط الأنابيب وغيرها من الالتزامات التي تتم وفق لجنة مشتركة بين وزارتي المالية والطاقة .

